الشيخ محمد رشيد رضا
424
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
عليه في عجزه ، فيطيع من لا يطاع ، ويرجو ولا موضع للرجاء ، ويخاف ولا موطن للخوف ، ويكون عبدا للأوهام ، عرضة للخرافات ، لا استقلال لعقله في ادراكه ، ولا لإرادته في عمله ، بل يكون عقله ورأيه وإرادته في تصرف بعض المخلوقات التي لا تملك له ولا لأنفسها نفعا ولا ضرا ، ولا هداية ولا غواية « قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا » ولا نفعا ، ولا غواية « وَلا رَشَداً ، قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً ، إِلَّا بَلاغاً مِنَ اللَّهِ وَرِسالاتِهِ » فهذا أعلى وأعظم ما أعطاه اللّه تعالى للمصطفين الأخيار من عباده ، وميزهم به على سائر عباده ، وهو تبليغ رسالته ، والدعوة إلى دينه ، من غير أن يكونوا مسيطرين ولا جبارين ، ولا آلهة أو أربابا معبودين ، « قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً » فعلم من هذا ومما بيناه من قبل في مثل هذا البحث ان سبب عدم مغفرة اللّه للشرك مع جواز غفران غيره يؤخذ من قاعدتين ( إحداهما ) إن الجزاء في الآخرة هو بسلامة الأرواح وسعادتها أو هلاكها وشقاوتها ، هو تابع لما تكون عليه في الدنيا من سلامة الفطرة وصحة العقيدة ، ودرجة الفضيلة التي يلازمها فعل الخيرات ، وعمل الصالحات ، أو فساد الفطرة ، وخطأ العقيدة ، والتدنس بالرذيلة ، ( الثانية ) ان لما يكون الناس عليه من الامرين درجات ودركات ، أسفلها وأخسها الشرك ، وأعلاها كمال التوحيد ، ولكل منهما صفات وأعمال تناسبها ، فلو جاز ان يغفر الشرك فتكون روح صاحبه مع أرواح النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ، تجول مع الملائكة المقربين في عليين ، لكان ذلك نقضا أو تبديلا لسنة اللّه تعالى في خلق الناس التي ترتب عليها أن يكون منهم شقي وسعيد ، فريق في الجنة وفريق في السعير ، بعضهم فوق بعض بطبعه وصفاته الروحية كما يكون الأخف من الغازات والمائعات فوق الاثقل بطبعه ، سنة اللّه التي لا تبديل لها ولا تغيير * * * ثم بين تعالى بعض أحوال المشركين فقال إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِناثاً اي إنهم لا يدعون من دون اللّه لقضاء حاجهم وتفريج كروبهم ، إلا إناثا كاللات والعزى ومناة ، وكان لكل قبيلة صنم يسمونه أنثى بني فلان ، أو